يُعد التهاب الفقار اللاصق (Ankylosing Spondylitis) مرضاً التهابياً مزمناً ينشأ عندما يهاجم جهاز المناعة بطريق الخطأ العظام، الأربطة، والمفاصل. يتركز هذا الالتهاب غالباً في العمود الفقري ومفاصل الحوض، مما يؤدي بمرور الوقت إلى ألم وتيبس مستمر، وربما اندماج فقرات العمود الفقري بعضها ببعض. بصفتي جراح عظام، أؤكد دائماً أن الفهم المبكر للمرض وتبني نمط حياة نشط يمثلان الركيزة الأساسية للحفاظ على مرونة العمود الفقري وجودة الحياة.
طبيعة المرض والمناطق المستهدفة في الجسم
يؤثر التهاب الفقار اللاصق بشكل رئيسي على الهيكل العظمي المحوري، وتظهر آثاره في عدة مناطق حيوية:
- المفصل العجزي الحرقفي (Sacroiliac Joint): وهو نقطة الاتصال بين قاعدة العمود الفقري (العجز) والحوض (الحرقفة)، وغالباً ما تبدأ التغيرات المرضية في الظهور هنا أولاً.
- نقاط ارتكاز الأوتار (Entheses): المواضع التي تتصل فيها الأوتار والأربطة بالعظام، مثل وتر العرقوب (Achilles tendon) في الكعب، والتي قد تتعرض لالتهابات مؤلمة ومزعجة.
- أعضاء أخرى: قد يتعدى الأمر العظام ليصيب العينين في حالة تُعرف بـ التهاب القزحية (Uveitis)، والتي تسبب احمرار العين وألمها وتحسسها الشديد للضوء.
الأسباب وعوامل الخطورة
باعتباره مرضاً مناعياً ذاتياً، لا توجد سبب مباشر وواضح للإصابة، لكن هناك عدة عوامل تزيد من احتمالية ظهور المرض:
- العوامل الجينية: يلعب الجين المعروف باسم (HLA-B27) دوراً بارزاً في توريث الاستعداد للمرض عبر العائلات (إلى جانب أكثر من 100 جين مرتبط به)، وإن كان وجود الجين وحده لا يعني حتمية الإصابة.
- العوامل الديموغرافية والبيئية: يُصاب الرجال بالمرض بمعدل يبلغ ضعف إصابة النساء، وغالباً ما تظهر الأعراض الأولى قبل سن الخامسة والأربعين. كما أن تدخين التبغ والسجائر الإلكترونية يُعد عاملاً رئيسياً يرفع من حدة تدهور العمود الفقري وسرعة تفاقم الأعراض.
الأعراض والعلامات السريرية المبكرة
- ألم وتيبس أسفل الظهر: يبدأ تدريجياً في سن مبكرة، ويكون أسوأ ما يكون في الصباح البكر أو بعد فترات الراحة الطويلة، ويتحسن ملحوظاً مع الحركة والتمارين.
- آلام العنق والكتف: تقييد حركة العمود الفقري وفقدان مرونته الطبيعية بمرور الوقت نتيجة تيبس الفقرات.
- الإرهاق المزمن: شعور غامر بالتعب والإعياء العام الذي يأتي ويذهب.
- مضاعفات أخرى: تشمل التهابات الأوتار، مشاكل الجهاز الهضمي (حيث يعاني 5-10% من المرضى من التهاب الأمعاء)، وزيادة خطر هشاشة العظام وما تسببه من كسور في الفقرات في المراحل المتقدمة.
التشخيص الطبي: من الأشعة السينية إلى الرنين المغناطيسي
يعتمد التشخيص الدقيق في عيادة العظام على تكامل الفحص السريري والتصوير الشعاعي:
- الفحص السريري: تقييم مدى حركة العمود الفقري، اختبارات الانحناء (إلى الأمام، الخلف، والجانبين)، والضغط على المفاصل العجزية الحرقفية.
- الأشعة السينية (X-rays): الفحص الأولي لرصد التآكل (Erosions)، التصلب، أو نمو عظام جديدة في المفاصل.
- التصوير بالرنين المغناطيسي (MRI): أداة متقدمة تتيح اكتشاف الالتهابات والتورمات في الأنسجة الرخوة والعظام في مراحلها المبكرة جداً قبل ظهورها على الأشعة السينية التقليدية.
خيارات العلاج: الدعم الدوائي ونمط الحياة
رغم عدم وجود شفاء تام من المرض، إلا أن الخيارات العلاجية الحديثة تضمن السيطرة الكاملة على الألم ومنع تشوهات العمود الفقري:
- العلاج الطبيعي والتأهيل الحركي: حجر الأساس في العلاج؛ فالتمارين المنتظمة والسترتشات تحافظ على مرونة العمود الفقري وقوة العضلات المحيطة به.
- مضادات الالتهاب غير الستيرويدية (NSAIDs): الخيار الدوائي الأول لتخفيف الألم والسيطرة على الالتهاب (مثل الأدوية الموصوفة طبياً كالملوكسيكام).
- العلاجات البيولوجية (Biologic Medications): تُستخدم عندما لا تستجيب الأعراض لمضادات الالتهاب، وتشمل مثبطات عامل نخر الورم (TNF inhibitors) ومثبطات (IL-17 inhibitors) التي تستهدف بدقة جزيئات الالتهاب المناعية.
التدخل الجراحي: متى يلجأ الجراح للجراحة؟
النسبة الغالبية العظمى من مرضى التهاب الفقار اللاصق لا يحتاجون إلى جراحة أبداً، وتقتصر الجراحة على الحالات المتقدمة التي تهدد الأعصاب أو تعيق التنفس:
- خزوع العظم (Osteotomy): لتعديل الانحناءات الشديدة في العمود الفقري وإعادة استقامة الفقرات.
- تثبيت العمود الفقري (Spinal Fusion): لحالات عدم الاستقرار وضغط الأعصاب الشديد باستخدام القضبان والمسامير المعدنية.
- استبدال المفاصل: في حال تعرض مفصل الورك لتلف شديد يستدعي جراحة تبديل المفصل.
نصيحة للمرضى “التهاب الفقار اللاصق قد يفرض تحديات حركية، لكنه ليس عائقاً أمام حياة مليئة بالنشاط والحيوية. الالتزام بالعلاج المبكر، ممارسة الرياضة بانتظام، والاقلاع عن التدخين هي مفاتيحك الذهبية للحفاظ على استقامة ظهرك وسلامة مستقبلك الحركي.”
📝 تكلسات الاربطة في العمود الفقري تجعل الفقرات تلتحم ببعضها مع الانحناءات التي تصيب العمود الفقري في التهاب الفقار اللاصق اضافة الى اذيات المفصل الحرقفي العجزي وهذا ما تظهره الصور الشعاعية البسيطة

























