11 أغسطس، 2026 Narrative Review General Orthopedics

تقنية ماسكليه (Masquelet Technique) في معالجة الضياعات العظمية الواسعة- الجزء الاول

الجزء الأول: تاريخ تطور التقنية والمبادئ البيولوجية لإعادة بناء العظم

اعداد الدكتور عماد الحريري/استشاري جراحة عظمية /محاضرة عن اهمية تقنية ماسكولية في تعويض الضياعات العظمية الواسعة/ اعطيت خلال مؤتمر الجراحة العظمية السنوي/ 2018 /فندق امية بدمشق.

Dr. Imad Al Hariri — Consultant Orthopaedic Surgeon

الجزء الأول: تاريخ تطور التقنية والمبادئ البيولوجية لإعادة بناء العظم

مقدمة

تُعد الضياعات العظمية الواسعة (Critical Bone Defects) من أكثر المشكلات تعقيدًا في جراحة العظام، إذ تمثل تحديًا حقيقيًا للجراح بسبب صعوبة إعادة بناء العظم مع المحافظة على الوظيفة الطبيعية للطرف المصاب. ويزداد هذا التحدي عندما تترافق الإصابة مع أذية شديدة في النسج الرخوة أو مع وجود انتان عظمي أو بعد استئصال أورام العظام.

لقد ازداد الاهتمام بهذه المشكلة خلال العقود الأخيرة نتيجة ازدياد الإصابات عالية الطاقة الناجمة عن الحوادث المرورية، والإصابات الحربية والانفجارية، بالإضافة إلى ازدياد عمليات الاستئصال الواسع للأورام العظمية، الأمر الذي أدى إلى ظهور تقنيات جديدة لإعادة البناء العظمي، كان من أهمها تقنية الغشاء المحرَّض (Induced Membrane Technique) المعروفة عالميًا باسم تقنية ماسكليه (Masquelet Technique).

وقد أحدثت هذه التقنية نقلة نوعية في معالجة الضياعات العظمية الكبيرة، لأنها أتاحت إعادة بناء أجزاء واسعة من العظم باستخدام الطعوم العظمية الذاتية دون الحاجة إلى الجراحة المجهرية أو الإجراءات المعقدة التي كانت تعتبر في السابق الخيار الوحيد لهذه الحالات.


ما المقصود بالضياع العظمي؟

يقصد بالضياع العظمي فقدان جزء من العظم بحيث يصبح غير قادر على الالتئام تلقائيًا مهما طالت مدة الانتظار.

ويحدث ذلك في العديد من الحالات، أهمها:

  • الكسور المفتوحة الشديدة.
  • الإصابات الحربية والطلقات النارية.
  • الإصابات الانفجارية.
  • الالتهابات العظمية المزمنة بعد التجريف الجراحي.
  • استئصال الأورام العظمية.
  • فشل العمليات السابقة مع تشكل المفاصل الكاذبة.
تقنية ماسكليه (Masquelet Technique) في معالجة الضياعات العظمية الواسعة-صورة ضياع عظمي واسع في الساق
الصورة (1): صورة شعاعية لضياع عظمي واسع في أحد العظام الطويلة قبل بدء العلاج.


لماذا يصعب علاج الضياعات العظمية الكبيرة؟

يمتلك العظم قدرة مدهشة على التجدد، إلا أن هذه القدرة تصبح محدودة عندما يتجاوز الضياع العظمي حجمًا معينًا، إذ يفقد الجسم القدرة على إنشاء جسر عظمي جديد بين طرفي الكسر.

وتتأثر عملية الالتئام بعدة عوامل أهمها:

  • طول الضياع العظمي.
  • سلامة التروية الدموية.
  • وجود النسج الرخوة الكافية.
  • غياب الإنتان.
  • ثبات التثبيت العظمي.

وقد أظهرت الخبرة السريرية أن الطعوم العظمية الإسفنجية الذاتية وحدها تصبح غير كافية عندما يتجاوز الضياع العظمي نحو 4–5سم، حيث تتعرض هذه الطعوم للامتصاص التدريجي قبل أن تتمكن من تشكيل عظم جديد، حتى في الحالات التي تكون فيها التروية الدموية جيدة، وهو ما أشارت إليه محاضرتكم.


كيف كانت تعالج هذه الحالات سابقًا؟

قبل ظهور تقنية ماسكليه كانت الخيارات العلاجية محدودة، ومن أهمها:

أولاً: نقل العظم الوعائي (Vascularized Bone Graft)

ويعتمد على نقل قطعة عظمية مع أوعيتها الدموية بواسطة الجراحة المجهرية.

ميزاته

  • يحافظ على حيوية العظم.
  • مناسب لبعض الضياعات الكبيرة.

سلبياته

  • يحتاج إلى فريق متخصص في الجراحة المجهرية.
  • زمن جراحي طويل.
  • احتمال حدوث فشل وعائي.
  • مضاعفات في مكان أخذ الطعم.

ثانياً: النقل العظمي بطريقة إليزاروف (Bone Transport)

تعتمد هذه الطريقة على إحداث قطع عظمي ثم نقل قطعة العظم تدريجيًا بواسطة المثبت الخارجي حتى تملأ منطقة الضياع.

ورغم النتائج الممتازة في كثير من الحالات، إلا أنها تتطلب:

  • أشهرًا طويلة من العلاج.
  • تعاونًا كبيرًا من المريض.
  • تحمل المثبت الخارجي لفترات طويلة.
  • احتمال حدوث مضاعفات متعددة مثل الانتانات حول البراغي والتشوهات المفصلية.

ثالثاً: الطعوم العظمية الذاتية التقليدية

وهي الطريقة الأبسط، لكنها محدودة عندما يكون الضياع كبيرًا، لأن كمية الطعم المطلوبة تصبح ضخمة، كما أن الطعم قد يتعرض للامتصاص قبل أن يتحول إلى عظم حي.

رابعا: الطعوم العظمية الغيرية

وهي طعوم تؤخذ من اشخاص اخرين ولها نوعان الطازجة والمجمدة و لها اختلاطاتها الشائعة منها الرفض والانتان اضافة الى حاجتها لتوفر بنك عظام مجهز للمحافظة عليها ومعالجتها.


بداية الثورة: اكتشاف ماسكليه

في عام 1986 لاحظ الجراح الفرنسي البروفيسور Alain-Charles Masquelet ظاهرة بيولوجية مثيرة للاهتمام أثناء معالجة الضياعات العظمية باستخدام الإسمنت العظمي (PMMA).

فقد وجد أن الجسم يشكل حول الإسمنت غشاءً حيويًا غنيًا بالأوعية الدموية والخلايا الفعالة، ولم يكن هذا الغشاء مجرد ارتكاس التهابي كما كان يُعتقد سابقًا، بل كان يمتلك خصائص بيولوجية تشبه إلى حد كبير السمحاق الطبيعي للعظم.

وقد أدى هذا الاكتشاف إلى تطوير تقنية جراحية جديدة تعتمد على الاستفادة من هذا الغشاء كحجرة بيولوجية تستقبل الطعم العظمي وتحميه وتساعده على إعادة تشكيل العظم.

طريقة ماسكليه لمعالجة الضياعات العظمية الواسعة- البروفيسور Alain-Charles Masquelet
صورة رقم (2) للبروفيسور Alain-Charles Masquelet

الفكرة الأساسية لتقنية ماسكليه

تعتمد التقنية على مبدأ بسيط لكنه بالغ الذكاء.

فبدلاً من وضع الطعم العظمي مباشرة داخل منطقة الضياع، يتم أولًا ملء الفراغ بالإسمنت العظمي (PMMA)، فيتعامل الجسم مع هذا الإسمنت كجسم أجنبي ويقوم خلال عدة أسابيع بتشكيل غشاء حيوي يحيط به بالكامل.

وعندما يكتمل تشكل هذا الغشاء، يُزال الإسمنت مع الحفاظ على الغشاء سليمًا، ثم يُملأ التجويف بطعم عظمي إسفنجي ذاتي داخل هذه “الغرفة البيولوجية”، حيث يوفر الغشاء البيئة المناسبة لحماية الطعم وتعزيز إعادة التوعية الدموية وإفراز عوامل النمو التي تحفز بناء العظم الجديد. وقد أوضحت محاضرتكم أن هذا الغشاء يسمح بإعادة بناء ضياعات عظمية واسعة دون الحاجة إلى الجراحة المجهرية، ويمكن استخدام التقنية حتى في حالات الانتان بعد السيطرة عليه، ومع مختلف وسائل التثبيت.

تقنية ماسكلية-الضياعات العظمية الواسعة صورة (3) : رسم تخطيطي للمراحل
صورة (3) : رسم تخطيطي من ستة مراحل:
  1. الضياع العظمي.  2. تثبيت العظم بمواد استجدال متينة. 3. ملء الفراغ بالإسمنت. 4 تشكل الغشاء المحرَّض.  5. إزالة الإسمنت ووضع الطعم العظمي.  6.الاندمال العظمي

لماذا أحدثت هذه التقنية نقلة نوعية؟

تميزت تقنية ماسكليه بعدة مزايا جعلتها تنتشر عالميًا، ومن أهمها:

  • إمكانية تعويض ضياعات عظمية كبيرة.
  • الاستفادة من الطعوم العظمية الذاتية بكفاءة أعلى.
  • عدم الحاجة إلى الجراحة المجهرية في معظم الحالات.
  • إمكانية استخدامها في وجود الانتانات بعد تنظيف البؤرة والسيطرة على الإنتان.
  • توافقها مع مختلف وسائل التثبيت العظمي.
  • سهولة تطبيقها نسبيًا مقارنة ببعض التقنيات الأخرى.
  • نتائج جيدة حتى في الحالات المعقدة والإصابات الحربية.

ولهذه الأسباب أصبحت التقنية اليوم إحدى الركائز الأساسية في مراكز جراحة العظام المتخصصة حول العالم.


خلاصة الجزء الأول

مثّل اكتشاف الغشاء المحرَّض نقطة تحول في مفهوم معالجة الضياعات العظمية. فبدلاً من اعتبار الإسمنت العظمي مجرد مادة لملء الفراغ مؤقتًا، أصبح يُستخدم كوسيلة لتحفيز تكوين بيئة بيولوجية فعالة تساعد على حماية الطعم العظمي وتعزيز إعادة بناء العظم.

وقد فتحت هذه الفكرة آفاقًا جديدة لعلاج الضياعات العظمية الواسعة الناتجة عن الرضوض، والإنتانات، والأورام، والإصابات الحربية، مع نتائج سريرية مشجعة جعلت تقنية ماسكليه واحدة من أهم التقنيات الحديثة في جراحة إعادة بناء العظام.

المراجع:

Refernces:

  • Masquelet AC. The concept of induced membrane for reconstruction of long bone defects. Orthop Clin North Am. 2010- J Orthop Surg Res 2024 Sep 28;19:600. doi: 10.1186/s13018-024-05093-0
  • Giannoudis PV, et al. Masquelet technique for the treatment of bone defects: tips, tricks and future directions. Injury. 2011. . PMID: 21543068DOI: 10.1016/j.injury.2011.03.036
  • Taylor BC, et al. Induced membrane technique for reconstruction to manage bone loss. JAAOS. 2012. PMID: 22382286- DOI: 10.5435/JAAOS-20-03-142
  • Karger C, et al. Treatment of post-traumatic bone defects by the induced membrane technique. Orthop Traumatol Surg Res. 2012. PMID: 22244249-DOI: 10.1016/j.otsr.2011.11.001
  • Morelli I, et al. Systematic review and meta-analysis. Injury. 2016. PMID: 28040090-DOI: 10.1016/S0020-1383(16)30842-7

تابع معنا

تقنية ماسكليه الجزء الثاني: الغشاء المحرَّض (Induced Membrane) – التركيب النسيجي والخصائص البيولوجية

أحدث المقالات