مقدمة
يُعد هبوط القدم (Foot Drop) من النتائج الوظيفية المهمة لإصابات العصب الشظوي العميق أو العصب الشظوي العام، إذ يؤدي ضعف العطف الظهري للكاحل إلى تعثر أصابع القدم أثناء مرحلة التأرجح، وارتفاع الركبة بصورة تعويضية أثناء المشي، وزيادة خطر السقوط.
عندما تكون الإصابة غير قابلة للتعافي الوظيفي الكافي، يمكن اللجوء إلى نقل وتر الظنبوبية الخلفية (Posterior Tibial Tendon Transfer – PTTT) لتحويل قوة عضلية محفوظة إلى قوة تساعد على رفع القدم. وتدعم المراجعات المنشورة فاعلية هذه الجراحة في تحسين المشي والاستقلال الوظيفي، مع اختلاف النتائج حسب نوع الإصابة والتقنية الجراحية واختيار المريض [1،2].
ما الوظيفة التي يعيدها نقل الوتر؟
تعمل العضلة الظنبوبية الخلفية طبيعيًا على العطف الأخمصي والمساهمة في قلب القدم إلى الداخل. وعند نقل وترها إلى الجهة الأمامية من الكاحل وتثبيته على ظهر القدم، يمكن إعادة توجيه قوة انقباضها لتساعد على العطف الظهري.
لكن من المهم التمييز بين أمرين:
- استعادة وظيفة العطف الظهري: أي أن تصبح العضلة المنقولة قادرة على رفع القدم وظيفيًا.
- استعادة وظيفة العصب: وهي تعني عودة التعصيب الطبيعي للعضلات التي أصيبت بالشلل، وهذا لا يحدث بمجرد نقل الوتر.
لذلك تُعد العملية إجراءً تعويضيًا وظيفيًا، وليست بديلًا عن تقييم إمكان إصلاح العصب أو إعادة بنائه عندما يكون ذلك مناسبًا.
شروط اختيار المريض
1. قوة العضلة الظنبوبية الخلفية
يجب التأكد من أن العضلة الظنبوبية الخلفية سليمة وقادرة على توليد قوة كافية. ويُفضّل عادة أن تكون قوتها 4/5 أو أكثر على مقياس MRC، مع تقييم سريري دقيق لوظيفتها، لأن نجاح النقل يعتمد على العضلة التي ستؤدي الوظيفة الجديدة [2،3].
2. ثبوت استمرار هبوط القدم وعدم توقع تعافٍ عصبي كافٍ
يجب تقييم طبيعة الإصابة ومستواها ودرجة استمراريتها، مع الاستعانة بالفحص العصبي والتخطيط الكهربائي للعضلات والأعصاب عند الحاجة.
لا توجد مدة انتظار واحدة تصلح لجميع الحالات. ففي الإصابات المغلقة التي قد تتعافى تلقائيًا أو بعد إصلاح العصب، تُراقب الاستعادة العصبية وفق آلية الإصابة والفحوص المتسلسلة. أما في القطع العصبي المثبت أو الإصابات التي تستدعي إصلاحًا عصبيًا مبكرًا، فلا ينبغي تأخير التقييم المتخصص لمجرد انتظار مرور 6–12 شهرًا. ويُناقش نقل الوتر عادة عندما تكون فرصة التعافي العصبي الوظيفي غير كافية أو عندما يستمر العجز بعد العلاج المناسب [2،4].
3. مرونة مفصل الكاحل
يجب أن يكون الكاحل قابلًا للوصول إلى الوضع المحايد على الأقل، مع تقييم العطف الظهري السلبي وتوتر وتر أخيل والعضلات الخلفية للساق.
وجود تقلص ثابت في وضع العطف الأخمصي قد يحد من فاعلية النقل؛ وقد يحتاج المريض إلى إطالة وتر أخيل أو إطالة عضلات الساق بالتزامن مع نقل الوتر. ويُحدَّد ذلك بناءً على الفحص، وليس وفق رقم واحد ثابت لجميع المرضى [2،3].
4. غياب التشوه الثابت غير المصحح
يُقيّم وجود تشوه ثابت من نوع الاعتدال الأخمصي أو الانقلاب للداخل (Equinovarus)، وتيبس المفاصل، والتشوهات العظمية التي قد تمنع توجيه القدم بصورة مناسبة. وقد تتطلب هذه الحالات إجراءات إضافية لتصحيح التشوه قبل النقل أو بالتزامن معه.
5. سلامة الأنسجة والتروية والقدرة على التأهيل
ينبغي تقييم سلامة الجلد والتروية الدموية، والندبات والالتصاقات السابقة، وأي إصابات وعائية أو عصبية مرافقة. كما يجب أن يكون المريض قادرًا على الالتزام بفترة حماية الوتر الجديد وبرنامج إعادة التأهيل.
التخطيط قبل الجراحة
يتضمن التقييم العملي ما يلي:
- توثيق قوة العطف الظهري، وبسط أصابع القدم، وقلب القدم للخارج، وقوة الظنبوبية الخلفية.
- قياس المدى الحركي السلبي للكاحل وتقييم قصر وتر أخيل.
- تحديد مستوى إصابة العصب ومدى احتمال التعافي العصبي.
- مراجعة صور الأشعة عند الاشتباه بتشوه عظمي أو مشكلة مفصلية.
- تحديد الهدف الوظيفي: تحسين تصفية أصابع القدم أثناء المشي، تقليل التعثر، تحسين نمط المشي، أو تقليل الاعتماد على جبيرة الكاحل والقدم (AFO).
التقنيات الجراحية
1. النقل عبر الغشاء بين العظمين (Interosseous Route)
يُعد هذا المسار من أكثر الطرق استخدامًا. يُحرّر وتر الظنبوبية الخلفية من ارتكازه الإنسي، ثم يُمرر إلى الحجرة الأمامية عبر فتحة في الغشاء بين الظنبوب والشظية، وصولًا إلى ظهر القدم. ويُراعى أن يكون مسار الوتر مناسبًا، من دون التواء أو ضغط على البنى العصبية الوعائية.
يمكن تثبيت الوتر على عظم إسفيني، غالبًا الإسفيني الوحشي، أو تثبيته إلى أوتار باسطة القدم، بحسب التقنية المختارة وحالة الأنسجة والأهداف الوظيفية [2،3].
2. النقل حول الظنبوب (Circumtibial Route)
في هذا الخيار، يُمرر الوتر حول الجانب الإنسي للظنبوب بدلًا من عبور الغشاء بين العظمين. وقد يكون مناسبًا عند وجود التصاقات أو تغيرات تشريحية تجعل المسار بين العظمين غير ملائم.
من عيوبه المحتملة أن اتجاه الشد قد يزيد الميل إلى انقلاب القدم للداخل إذا لم يُضبط مسار الوتر وتثبيته بصورة مناسبة. ولا تشير الأدلة المتاحة إلى تفوق مطلق لطريق واحد في جميع المرضى؛ فالاختيار يعتمد على التشريح والحالة السريرية وخبرة الجراح [1،3].

3. تقنية بريدل (Bridle Procedure)
تستخدم هذه التقنية مبدأ موازنة قوى الأوتار على ظهر القدم، من خلال ربط وتر الظنبوبية الخلفية بأوتار أخرى، عادة الظنبوبية الأمامية والشظوية الطويلة، وفق التعديل الجراحي المختار. والهدف هو تقليل عدم التوازن بين الانقلاب للداخل والخارج وتحسين استقرار القدم أثناء المشي.
ليست تقنية بريدل مناسبة لكل حالة، ويجب اختيارها بناءً على العضلات المتبقية ووظيفة الأوتار وتشوه القدم.
التثبيت النهائي: إلى العظم أم إلى الوتر؟
التثبيت إلى العظم (Tendon-to-Bone)
يُثبت الوتر في أحد العظام المستهدفة على ظهر القدم، مثل العظم الإسفيني الوحشي أو عظم آخر مناسب وفق التقنية. ويمكن استخدام وسائل تثبيت عظمية ملائمة. ويعتمد اختيار موضع التثبيت على اتجاه الشد المطلوب وحالة العظم والأنسجة.
التثبيت إلى الأوتار (Tendon-to-Tendon)
يمكن تثبيت الوتر المنقول إلى وتر الظنبوبية الأمامية أو إلى مجموعة من أوتار الباسطات. وقد تساعد بعض تقنيات التثبيت الوترية على توزيع قوة الشد على القدم بصورة أكثر توازنًا، كما تتجنب بعض مشكلات التثبيت العظمي. لكن الاختيار بين الطريقتين ليس قاعدة موحدة؛ إذ يعتمد على نمط الشلل والتشوه والتقنية الجراحية [3،5].
الخطوات الأساسية للعملية
مع اختلاف التفاصيل بحسب الطريقة المختارة، تتضمن المبادئ الجراحية العامة:
- تحرير وتر الظنبوبية الخلفية من ارتكازه مع الحفاظ على طوله وسلامته.
- تحرير الوتر وتمريره إلى المسار الأمامي المختار.
- التأكد من عدم وجود التواء أو عائق أو شد غير مناسب على طول المسار.
- اختيار موضع التثبيت العظمي أو الوتري المناسب.
- ضبط توتر الوتر مع وضع القدم في الوضعية المستهدفة، بحيث يتحقق العطف الظهري دون زيادة غير مرغوبة في الانقلاب للداخل أو الخارج.
- اختبار اتجاه الحركة والتوازن قبل إغلاق الجروح وتطبيق التثبيت بعد الجراحة.
وتؤثر دقة اختيار مسار الوتر وتوتره في النتيجة؛ إذ قد يؤدي التوتر غير الكافي إلى بقاء هبوط القدم، بينما قد يؤدي التثبيت غير المتوازن إلى تشوه متبقٍ أو انحراف القدم.
برنامج إعادة التأهيل بعد العملية
يجب الاتفاق على البروتوكول مع الجرّاح الذي أجرى النقل، لأن توقيت الحركة والتحميل يتأثر بنوع التثبيت، وجود إطالة لوتر أخيل، وجود إجراءات عظمية مرافقة، وجودة الأنسجة.
المرحلة الأولى: حماية الوتر (0–6 أسابيع تقريبًا)
- تثبيت الكاحل وفق الوضعية التي حددها الجرّاح، غالبًا قرب الوضع المحايد أو في عطف ظهري خفيف.
- حماية الجرح ومراقبة التورم وسلامة الجلد.
- استخدام العكازات والامتناع عن التحميل أو السماح به فقط وفق تعليمات الجرّاح.
- تجنب شد الوتر المنقول أو إجراء حركات غير مصرح بها، وخاصة العطف الأخمصي السلبي عندما يكون محظورًا في البروتوكول.
المرحلة الثانية: استعادة الحركة (نحو الأسبوع 6–8)
- بدء الحركة النشطة والتدريجية للكاحل عندما يسمح الجرّاح بذلك.
- تدريب المريض على تنشيط العضلة الظنبوبية الخلفية المنقولة في وظيفتها الجديدة.
- استخدام جبيرة الكاحل والقدم عند الحاجة، مع زيادة التحميل تدريجيًا وفق ثبات النقل.
المرحلة الثالثة: إعادة التعليم الحركي وتقوية العضلات (نحو الأسبوع 8–12 وما بعده)
- تدريب الحركة أمام المرآة أو باستخدام التغذية الراجعة الحيوية (Biofeedback).
- الانتقال من الانقباض المعزول إلى رفع القدم أثناء المشي.
- تمارين التوازن والتحكم بالقدم وتقوية العضلات المتبقية.
- إعادة تدريب نمط المشي، ثم زيادة المسافة والسرعة والأنشطة تدريجيًا.
المرحلة الرابعة: العودة إلى النشاط
تُقيّم القدرة على رفع القدم أثناء المشي، وتصفية الأصابع عن الأرض، والتوازن، والتحمل، والحاجة إلى الجبيرة. وقد تستمر إعادة التعليم الحركي عدة أشهر؛ ولا يعني الوصول إلى الأسبوع 12 أن القوة والتنسيق قد اكتملَا.
هذا الجدول إطار عام وليس وصفة موحدة. فبعض البروتوكولات تؤخر بدء الحركة حتى الأسبوع السادس، وتستمر بالحماية بجبيرة أو حذاء تقويمي لأسابيع إضافية. كما قد تتغير المواعيد إذا أجريت إطالة لوتر أخيل أو عملية عظمية مرافقة [2،3،6].
ما نسبة التحسن المتوقعة؟
يجب التمييز بين نجاح الجراحة من الناحية الوظيفية، واستعادة عطف ظهري نشط، والاستغناء عن الجبيرة، والعودة إلى مستوى النشاط السابق؛ فهذه نتائج مختلفة وليست مترادفة.
- في مراجعة منهجية لإصابات العصب الشظوي الرضّية، حقق 81.5% من المرضى الذين خضعوا لنقل وتر الظنبوبية الخلفية وحده نتيجة بلغت الدرجة M3 أو أعلى على مقياس القوة العضلية MRC. وبلغت النسبة 84.2% لدى من خضعوا لإجراء جراحي مع نقل الوتر [4].
- وجدت مراجعة منهجية أخرى تحسنًا في المقاييس الوظيفية ورضا المرضى وانخفاضًا في الاعتماد على أجهزة تقويم الكاحل والقدم. لكن اختلاف الدراسات ومقاييس التقييم لم يسمح بإجراء تحليل تجميعي موحد لجميع النتائج [1].
- قد تكون القوة الناتجة أقل من قوة العطف الظهري الطبيعية، ومع ذلك تحقق تحسنًا مهمًا في المشي وتقلل تعثر الأصابع.
كيف نفسّر رقم 81.5%؟ إنه يمثل بلوغ درجة قوة عضلية M3 أو أكثر في مجموعة من الدراسات، ولا يعني أن 81.5% من المرضى يستعيدون الحركة الطبيعية تمامًا أو يستغنون جميعًا عن الجبيرة. كما لا يمكن نسب هذه النتيجة إلى برنامج التأهيل وحده؛ إذ تتداخل معها حالة العضلة المنقولة، ومرونة الكاحل، والتقنية الجراحية، وطبيعة الإصابة، والالتزام بالتأهيل.
عوامل ترتبط بنتيجة أفضل
- قوة جيدة للعضلة الظنبوبية الخلفية قبل الجراحة.
- كاحل مرن دون تقلص ثابت غير مصحح.
- اختيار مسار نقل وتثبيت يحقق توازنًا مناسبًا للقدم.
- ضبط توتر الوتر بدقة أثناء الجراحة.
- حماية النقل خلال فترة الالتئام.
- إعادة تعليم حركي تدريجية ومتابعة مشتركة بين الجرّاح وأخصائي العلاج الطبيعي.
المضاعفات والقيود المحتملة
تشمل المضاعفات الممكنة ضعف العطف الظهري المستعاد، أو استمرار الحاجة إلى الجبيرة، أو الالتصاقات، أو اضطراب توازن القدم، أو تشوه متبقٍ من نوع الانقلاب للداخل أو الخارج، إضافة إلى مضاعفات الجرح أو التثبيت. وقد يحتاج بعض المرضى إلى إجراء إضافي لتصحيح تقلص وتر أخيل أو التشوه العظمي.
الخلاصة العلمية
نقل وتر الظنبوبية الخلفية خيار تعويضي فعّال في حالات مختارة من هبوط القدم المستمر بسبب إصابة العصب الشظوي العميق أو العام. ويعتمد النجاح على سلامة العضلة المنقولة، ومرونة الكاحل، واختيار مسار النقل والتثبيت، وضبط التوتر، وبرنامج إعادة تأهيل يحمي الوتر أولًا ثم يعيد تعليم الحركة تدريجيًا. أما نسبة التحسن فلا ينبغي اختزالها في رقم واحد أو ضمانها لكل مريض.
المراجع العلمية
- Stevoska S, et al. Tendon transfer in foot drop: a systematic review. Archives of Orthopaedic and Trauma Surgery. 2023. النص الكامل على PubMed Central.
- Eisenstein N, Fischer B, Nayagam S. Tibialis Posterior Tendon Transfer for the Management of Foot Drop. Strategies in Trauma and Limb Reconstruction. 2023;18(1):56–62. PubMed.
- Tendon Transfers in Foot Drop. مراجعة تقنية للمسارات الجراحية والتثبيت وإعادة التأهيل. النص الكامل على PubMed Central.
- Traumatic Peroneal Nerve Injuries: A Systematic Review. Journal of Bone and Joint Surgery. 2022. PubMed.
- Tibialis Posterior Transfer for Foot Drop: The Difference in Outcome for Two Different Attachment Sites. النص الكامل على PubMed Central.
- Posterior Tibial Tendon Transfer for the Correction of Drop Foot. Journal of Clinical Medicine. النص الكامل.









